الشيخ محمد هادي معرفة
85
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هناك ، فترك ذكره اتكالًا على ما ذكرناه ، وأنّه كائن لا محالة لا يمكن تأخّره . واختير بناء « غيض » لما لم يُسمّ فاعله على « غَيَّضَ » بتشديد الياء مبنيا للفاعل لأمرين : أمّا أوّلًا فمن أجل الإيجاز لطرح الفاعل والاختصار فيه . وأمّا ثانيا فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر اللّه تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله ، والمقامُ مقامُ الكبرياء والعظمة . وإنّما اختير لفظ « الماء » ولم يقل الطوفان ولا المطر إيثارا للاختصار ، ولما فيه من الإشارة باللام التي للعهد ، كأنّه قال : وغيضَ الماء الذي أمرْنا الأرض والسماء بإيقاعه ، بيانا لحاله وإيضاحا لأمره ، وأنّه الذي وقع الإهلاك به لقوم نوح ، فيعظُم الامتنانُ على مَن بَقِيَ في السفينة بإزالته . وإنّما قال « الأمر » في قوله تعالى : « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » ولم يقل وقُضِيَ أمرُ نوح ، أو قُضِيَ الهلاك ، أو قُضِيَ الإغراق لأمرين : أمّا أوّلًا فلأجل إيثار الاختصار وتعويلًا على الإيجاز . وأمّا ثانيا فلأنّ وقوع ما وقع إنّما كان من أجل العناية بنوح في إغراق قومه وإظهار الانتصار له ، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك ، مع ما تضمّن من الفخامة في معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذّبوه . وإنّما اختير « وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ » ولم يقل : سُوِّيت كما قال : وغيضَ ، وقُضِيَ ، على البناء للمفعول لأمرين : أمّا أوّلًا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يُسمّ فاعله ، فلهذا أوثر الأخفُّ . وأمّا ثانيا فلأنّ الأكثر في الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات ، فيقال : هبّت الريحُ ، ومطرت السحابةُ ، واستوت السفينةُ على الماء ، قال تعالى : « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ » « 1 » فأضاف الجري إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها . وإنّما اختير « بُعْدا » ولم يقل : ليبعَدُوا لأمرين : أمّا أوّلًا فلأنّ في المصدر نوع تأكيد لا يؤدّيه الفعلُ لو نُطق به . وأمّا ثانيا فلأنّه لو وجّهه بالفعل كان مقيّدا بالزمان ، وهو إذا كان موجّها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان ، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل .
--> ( 1 ) - هود 42 : 11 .